Arabpsynet

وجهـات نظـــر /  Points of View

شبكة العلوم النفسية العربية

 

الإيقاع الحيوي بين الحركة والسكون

أ.د. يحيــى الرخــاوي

 أستــاذ الطــب النفســي /  جامعــة القاهــرة

سطــور – عــدد 73

 

 

q       النص الكامل /  Full text / Texte  entier 

 

"لا دائم إلا الحركة. هي الألم والسرور. عندما تخضر  من جديد الورقة، عندما تنبت الزهرة،

 عندما تنضج الثمرة، تمحي من الذاكرة سفعة البرد وجلجلة الشتاء"

 

    هذا ما قاله نجيب محفوظ وهو يكشف لنا عن دورات الإيقاع الحيوي لنبض الحياة  في ملحمة الحرافيش.

     إن دوام الحركة لا يعني استمرارها بقدر ما يشير إلى حتمية دورانها الذي يشمل طورا من الكمون يبدو وكأنه السكون، لكنه في الحقيقة يتبادل مع طور الحركة في جدل يتمادى نحو التكامل المفتوح النهاية.

    لا الحركة مطلوبة لذاتها، ولا السكون دائم الارتباط بالهمود والجمود والموات.

    إن طرحَ بُعد الحركة والسكون للنظر، هو دعوة للتساؤل حول الوجود و العدم، هذه الدعوة، في ذاتها، هي من المصائب التي ابتلي بها الجنس البشري  دون من نعرف من الأحياء حالا، وتاريخا.  إن إشكالة الحركة والسكون قد حلتها قوانين الوجود عبر التاريخ الرائع لتطور الأحياء، ولم تكن هناك حاجة إلى خدمات هذا الوعي البشري الذي قد يجانبه الصواب وهو يتخبط مع  لُهاث الآلات التي اخترعها، وسط فيضان المعلومات التي غمر نفسه بها حتى تكاد تعجزه عن العوم، أو حتى عن مجرد الإمساك بالدفة لتحديد التوجّه.

 

    إن مجرد الحديث عن الحركة وعقلنة الوعي بها- (مثله مثل الحديث عن الجدل)، هو ضد الحركة (وضد الجدل). هذه بديهية ينبّهنا إليها صلاح جاهين بحدْسه الفائق حين يقول: "... تشوف رشاقة خطوتك تعبدك، بس انت لو بصّيت لرجليك،  تقع". هذا الوعي المعقلن بديلا عن  تلقائية التطور قد أصبح إشكالا في ذاته،  صحيح أنه لم يعد من الممكن الاطمئنان لتلقائية التطور بعد أن تدخل الإنسان مع سبق الإصرار  والتعقل في تنظيم  نوع وجوده،  لكن صحيح أيضا أنه ليس في الإمكان  التسليم  لغلبة الجزء الطافي من وعينا العاقل دون تاريخه وأعماقه.  يزداد هذا الإشكال إذا تذكرنا احتمال ما يمكن أن تُحدثه  الإنجازات التكنولوجية الأحدث، إذ هي تضاعف من الخطأ كما تضاعف من الصواب بسرعة  قد نعجز عن اللحاق بها.  هذا الوعي الإنساني  يصبح مسئولية خطيرة إذا كانت قضيته هي"الحركة والسكون".

     لهذا، وبالرغم من هذا، فإن  التنظير  الفلسفي والرياضي و العلمي لم يكُفّ عن  تناول بعد "الحركة/السكون:  ظاهرا وباطنا، جوهرا ومظهرا، بالقوة وبالفعل.  ويزداد الأمر تعقيدا حين نتبين كيف أنه لا يمكن تناول هذا الإشكال بعيدا عن إشكالة الزمن. الحركة تشكِّـل الزمن، والزمن يحتويها. ولا حول ولا قوة إلا بالأول والآخر، الظاهر والباطن،

 

البدء بالموت

    حين واجه  الوعي البشري  هذا الإشكال المعقد عن الحركة والجمود- الحياة والموت، لجأ إلى  لغة الفن والأسطورة التي تستوعب أقدر وأرحب مما يمكن أن تستوعبه  لغة العلم والعقلنة . وهكذا راح محفوظ يعلمنا في الحرافيش أن الوعي بالموت هو الدافع للحياة، وأن وهم الخلود (ليس بالمعنى الديني المعروف) هو  الموت الجمود (=الموت  بالغطرسة، والعزلة على القمة، والرتابة، والظلم، واللانهاية، والثبات).

     من  هذا المدخل قدم لنا محفوظ الموت ليس باعتباره  "ضد الحياة" بل  كجزء لا يتجزأ من إيقاع الحياة النابض،  هكذا قرأت رسالته  في الحرافيش: "..إن الحياة، مجرد الحياة، ليست هي المرادف الحقيقي لما هو: ضد الموت.. الموت،...، هو حركة ، بعكس الشائع عنه  أنه عدم وسكون ("الموت لا يجهز على الحياة، وإلا أجهز  على نفسه" - ملحمة الحرافيش).  من هذا المنطلق راح محفوظ يظهر كيف أن الوعي بالموت هو المبرر والدافع لاستمرار الحركة المسئولة عن إعادة التخلق وتفجّر الوعي.

    هكذا نجد أنفسنا أمام تساؤل يقول : إذا كان الاحتمال الأكبر هو أن يتضمن السكون حركة كامنة، وأن يدفع الوعي بالموت إلى حياة زاخرة،  فما هو  الذي ضد الحركة إذن ؟ وما هو الذي ضد الحياة؟

    قدم نجيب محفوظ (مازلنا في الحرافيش)  عدّة احتمالات لما هو "ضد الحياة"، منها على سبيل المثال:  رمز"التكيّة ، ومنها الخلاء ، وأحيانا الظلام، والظلمة ، وأقل من ذلك  الفراغ. ثم أكثر من ذلك وأخطر : التوقف عن التغير الحقيقي بفرض سلطة غاشمة جاثمة لا تتنازل عن موقعها إلا بمعركة (بين الفتوات) إما أن تصيب، وإما أن تخيب. لكنه ظل  يؤكد في كل نبض دوراته، أن حسن نية الفتوة المنتصر، ليست ضمانا لتحيزه للحركة ضد الجمود، أو للعدل ضد الظلم.

    ثم إنه حدد موقفه  تماما في فصل "جلال صاحب الجلالة"  (الحكاية السابعة من ملحمة الحرافيش) حين قدم نموذجا للجمود اللاغي للحركة  في صورة "وهم الخلود" باعتبار أنه الرتابة المفرغة من الأمل والغد ومن المفاجأة. هذا الخلود الذي يمثل العدم المفرغ اللزج، تلك الصورة المرعبة التي شاعت عند الغالبية مرتبطة بالموت  كما يتصوره  الكافة، وليس بالخلود كما صوره محفوظ. . وكأن الملحمة تريد أن تقول:  أن  الأوْلي  بنا ... أن نخاف  هذا الخلود  لا أن نخاف الموت ،" (حفز الحياة). مرة أخري : ليس الخلود بالمعني الديني،  ولكن بمعني العزلة والاستغناء القاسي باضطراد رتيب)

 

استحالة السكون حتى لو بدا كذلك

    من هذا المنطلق: أبدأُ بافتراض أن السكون (مثله مثل الإلحاد) هو استحالة بيولوجية، بمعني أنه زعم عقلاني لا يتفق مع استمرار الخلايا الحية التي لا بقاء لها إلا بالحركة في تناسق الهارموني المتصاعد مفتوح النهاية إلى ما لا نعرف (الغيب) حتى نتوحد في المطلق ، بل إن العدم نفسه هو مقولة نظرية لا يمكن التحقق منها (فهو استنتاج تجريدي أكثر منه عيانا ماثلا).

    إذا كان الأمر كذلك، فعلينا أن نبحث بحدس أكثر يقظة  فيما يملأ الصمت، ويغمر بياض الصفحات، وينبض في عباءة السكوت. يعلمنا صلاح عبد الصبور كيف أنه "فليتكلم عني صمْتي المُفْعَم" (ليلي والمجنون) ، كما يعلمنا نجيب سرور كيف يكون السكوت مشروع كلام  (- "الكلام ممنوع يا ست"، (= ....)  - والسكات ممنوع يا ست (= السكات ممنوع كمان ؟)  - السكات مشروع كلام. (نجيب سرور . آه يا ليل يا قمر) .

    من هذا المنطلق الجديد يمكن أن نستوعب كيف  أنه لكل طور حركته وسكونه اللذان يميزانه، كما  أن البراعم المغلقة هي التي تنضج في الشتاء لتتفتح  الزهور في الربيع: (الدنيا من غير الربيع ميته، ورقة شجر ضعفانة ومفتفتة،  لا يا جدع غلطان تأمل وشوف: زهر الشتا طالع في عز الشتا. صلاح جاهين.).

    إذا كان الأمر كذلك، فإن الفرض الحالي  يكتمل باعتبار  أن الإنسان (المعاصر أكثر) يبذل جهدا منظما، وملاحِقا،  لإعاقة الحركة الطبيعية التلقائية التي هي سر الحياة وأساس التطور. فيترتب على ذلك  أننا لسنا في حاجة  إلى أن  نُشغل أكثر بمحاولة  إطلاق حركة الحياة والتطور والإبداع، فهي منطلقة بطبيعتها، لكننا في حاجة أن نوقف القهر المنظم  الذي يعوق هذه الحركة  الطبيعية خصوصا بعد أن امتلك هذا القهر أدوات تكنولوجية تكاد تكتسب استقلالها عنه.

 

تعرية ومواجهة

    من هذا المنطلق، دعونا نقرأ بعض مظاهر ما يحيط بنا في محاولة إعادة تحديد ما هو حركة زائفة، وما هو سكون ظاهر أو كامن وراء كل مظهر خادع.

 

صورة مجسدة لزخم حركة زائفة

    سوف أغامر بأن أسترجع صورة زاهية من الألمبياد الأخيرة، أقرأها لكم كما وصلتني شخصيا ،بعد الانبهار، ومع فائق الاحترام :

 التنافس الأولمبي قديم قدم محاولة الإنسان الاحتفاء باختبار قدراته البدنية متنافسا مع أخيه الإنسان، وأيضا منذ تصور إمكانية أن تقوم الرياضة بوظيفة التسامي بالعدوان إلى صورة متحضرة. لا يوجد واحد يمكن أن يمنع نفسه من الإعجاب بهذا الإنجاز البشري المتفوق وهو يشارك أكثر من مليار من البشر يتابعون بعض  بني جنسهم وهم يسبَحون راقصين في الهواء، وهم يطوُون الأرض طيّا كنفاثات بشرية، وهم يرفعون الأثقال وكأنهم يرفعون هموم الإنسان المعاصر بلا طائل، وهم يصوّبون كرة اليد داخل المرمي وكأنهم يرجمون الشر المتربص بالأبرياء، إلى آخر كل هذا الإنجاز والإعجاز. وأنا - مثلي مثل الناس -أشاهد كل هذا وأُعجب به  أشد الإعجاب وأبلغه، هل توجد حركة أكثر سرعة وإثارة من كل ذلك؟ "ثم ماذا؟"

    كنت أشاهد أحد أبطال الجري الذين حققوا إعجازا حتى على أنفسهم، لا أذكر جنسيته (أو قل لا أريد أن أتذكرها، ربما حقدا، وربما خجلا)، كان قد تفوق على الرقم القياسي العالمي السابق، وهو الذي سبق أن  حققه هو  أيضا سنة 1994، تفوق عليه بمقدار ثلاثة من مائة من الثانية (0,03). رحت أطالع هذا الفتي العظيم وقد ارتسم على وجهه شعور ليس له اسم، شعور أكبر من الفرحة، وأعمق من الفخر، تذكرت وصف باتريك زوسكيند في روايته الرائعة "العطر"، وهو يصف شعور بطلها"القاتل" جان باتيست غرنوي" بعد أن خلق عالمه من  الروائح السرية المبتكرة، كان قد انفصل عن العالَم  والبشر بروائحهم الخاصة والمثيرة والمقززة، فخلق لنفسه عالما ملأه بالقتل الذي حقق له شهوة لا مثيل لها واصفا فعله هذا بأنه ".. هذا الفعل الماحق للقضاء على الروائح القذرة كلها، فعلا مريحا جدا ..لأنه يوفر الشعور بالإرهاق الناتج عن الإنـجاز"، لم أفهم آنذاك كيف يكون الإرهاق الناتج عن الإنجاز مريحا بكل هذا السحر إلا وأنا أشاهد وجه هذا الفتي الأولمبي بعد أن تفوق على نفسه بعد ست سنوات، فحطّم رقمه القياسي بفارق ثلاثة من المائة من الثانية !!

      انتبهت إلى أننا (نحن البشر) نمارس طقسا منذ آلاف السنين نقدس من خلاله هذا  الإنجاز التنافسي  الكمي  المهاراتي؟ وكأنه غاية المراد من رب العباد؟

    هذه حركة ليس كمثلها حركة -العدو بسرعة نفاثة -  لمجرد الوصول إلى "خط النهاية"، يفعلها البطل  -أدام الله عليه الصحة - فنتبعه منبهرين متقمصين إنجازه حتى نصل معه إلى هدفه!!.

    إن مجرد مراجعتنا لكيفية استعمال تعبير  "خط النهاية" قد يصلح لتنبيهنا إلى ما تسوقنا إليه مثل هذه الحركة اللاهثة . نحن -عبر العالم - لم نتبين زيف كل ما هو نهاية مغلقة مثلما تبيناه من شطح وغرور فوكوياما وهو يعلن   "نهاية التاريخ" ،قبل أن ينتبه إلى ما هو نهاية أخطر (نهاية الإنسان).

     إن أظهر ما تظهر  فيه الحركة الزائفة هي حلبة التنافس الفردي المحموم. إن أي واحد خليق أن يكتشف مدى اللاجدوي في كثير مما يقوم به ويجري حوله من تنافس  يتسارع فيه معظم الناس (إن لم يكن كلهم) . هذه طبيعة بشرية مفيدة في الأغلب، لكن أن تقتصر حركية حياتنا على ذلك، فهذا ما أردت  التنبيه إليه مطولا في هذا المثال الصارخ من الأولمبياد!!

    على غرار إعادة قراءة هذا المثال المطول يمكن أن نراجع كثيرا من أنواع التنافس التي نمارسها بكل إخلاص، لنحقق منها قدرا من القتل "الجميل" بالإنجاز المرهق:!!! يبدو أن ذلك الإرهاق الناتج عن الإنجاز. هو شعور مريح جدا بحيث يمكن أن يفسر لنا كثيرا من نشاطاتنا وحركتنا، في كثير من المجالات.

    وفيما يلي سوف أحاول أن أقدم بعض أمثلة أكثر لما هو: الحركة الجمود، ثم التسكين بالحركة.

 

الحركة الجمود

1-     إن السعار الاستهلاكي، على ما به من تنافس وأصوات ، ودعاية، و إغراءات ملاحِقة تكاد تجري وراءك طول الوقت، ليس إلا حركة زائفة لأنه لا يؤدي إلا إلى "تراكم الامتلاك" الذي يشل أي حركة ذات معنى.

2-     إن تعملق السلطة لتثبيت وضعها واستمراره، يحتاج حركة هائلة تصل إلى حد إشعال الحروب، وهو ليس إلا حيلولة منظمة ضد حركية الجدل وتفاعل وحدات الحياة.

3-     إن كثيرا من مظاهر ما يسمّى البحث العلمي، ليست سوي حركة في المحل إذا ما رضي الباحث أن يسجن في منهج قديم مصمت، ناهيك عن النشاط المحموم الذي يكون هدف البحث منه مجرد النشر، أو تحقيق متطلبات الترقي لا حفز الكشف وإرواء الدهشة. إن بحثا بلا فرض ينشأ من حيرة في مواجهة الواقع والقديم، أو بحثاٍ بلا  مراجعة للمنهج مع قراءة النتائج، هو حركة زائفة لا أكثر. فهو الجمود والضياع.

4-     حتى الحركات الثورية التي تهدف بكل وضوح إلى التغيير الجذري الذي عجزت قوانين الواقع السائد عن تحقيقه، يمكن أن تنتهي إلى حركات مجهضة هامدة، لا تحمل مقومات جدل النمو الحيوي.

 

التجميد المنظَّم

    أعرُجُ بعد ذلك لعرض بعض أنواع  ما أسميته التجميد المنظم ونحن نمارسه طول الوقت باسم آخر.

(1) تجميد استلهام النصوص المقدسة الحاملة للوحي الإيماني بالاقتصار على التفسيرات الثابتة.

(2) قتل تطور اللغة بتقديس المعاجم التي ليست إلا مرحلة تاريخية محدودة من تطور اللغة (ولا يخفي كيف أثر هذا القتل التسكيني على ما جاء في.

(3)  التسكين الأيديولوجي المعلن والخفي من خلال جمود مذهب، أو عقيدة، (حتى لو تسمّي بأرق الأسماء وأشرفها: مثل التنوير أو الديمقراطية، أو حقوق الإنسان... إلخ)

(4)  الانغمار بالمعلومات دون تدريب كاف على الانتقائية، حتى تُسَـد مسام التلقي بالتشبع فالشلل.

(5)  العرقلة بالتخمة الاستهلاكية.

(6) الاستسلام النشط لرفاهية اليأس حتى التوقف.

(7)  النفخ في نفير المستقبل طول الوقت تأجيلا لحمل مسئولية اللحظة الراهنة.

    إفاقة ومحاذير ومحكات

     بعد كل ذلك ، تجدر  الإشارة إلى بعض ما يعيننا أفرادا وجماعات  على التمييز بين  الشحم والورم، بين الزيف والحقيقة، بين الناس وأشباههم، بين حكومات الظل الظاهرة كأنها تحكم، وحكومات الفعل الخفية التي تفرض كل شروطها في دهاليز المال. أي بين الحركة الحقيقية والدوران في المحل فالتدهور والتناثر.

أولا : إن فرط الوعي بالحركة، أو تحديد مسارها ابتداء، هو ضد كل تاريخ التطور . المطلوب إذا شئنا أن نتجنب خداع الجلبة الخاوية والسير في المحل. الوعي هو أن نعرف كيف نميز زيف الحركات المخاتلة والمعطلة

ثانيا : إن خوض تجربة الحياة - أفرادا وجماعات وشعوبا- يتطلب  استيعاب حركية الوجود فعلا ماثلا على أرض الواقع. علينا ألا نقصر حماسنا على  تدارس وتكرار تجارب بضعة آلاف من السنين نعرف بعض ما جري فيها عن البشر ومنهم. علينا أن نطلق لخيالنا ، وحدسنا، وإبداعنا وعلومنا العنان لاحتواء كل تاريخ الإنسان من إيمان وأساطير وإنجازات ومبادئ ، دون السماح باحتكار فئة من الناس كتابة "جدول ضرب الحياة التنويرية الديمقراطية الحربية المعاصرة"، إن الاقتصار على  استلهام دروس حياتنا من خلال الرجوع إلى بضع آلاف من السنين المكتوبة على الورق قد يحرمنا من استلهام تاريخنا الحقيقي المثبت في الدنا DNA بطول تاريخ الأحياء كلها.

ثالثا:  علينا أن نتذكر دور الإيقاع الحيوي Bio-rhythm في تنظيم الكون طولا (تاريخا) وعرضا (من أول إيقاع التفاعل البيوكيميائي  حتى دورات الأفلاك، مرورا بأوضح صوره العضلية هي : نبضات القلب المنتظمة. وأيضا بأكمل  وأجمل صوره  المرتبطة بالوعي أي : دورات اليقظة/النوم/الحلم/الإبداع) . إن هذا البعد في أصل جدله إنما يؤكد لنا أننا بقدر ما نحتاج إلى الحركة (دفع القلب للدم مثلا في طور الانقباض أو البسط Systole) نحن نحتاج للاسترخاء المتلقي الذي يبدو سكونا (ما يقابل دور الانبساط أو الامتلاء في دورة القلب Diastole ). إن هذا القانون هو الذي يصالح الحركة الدافقة مع السكون الممتلئ، هو الذي يصالح الثورة مع فترات استيعاب آثارها، ومع التمهيد للثورة التالية ، وقديما كان نفس قانون الإيقاع الحيوي  يمكن أن يستوعب دورات الحرب والسلام (لولا  أن أسلحة وميزان القوي أصبحت أخطر من أي طبيعة). إن الحركة الحقيقية ،  والسكون الضروري ، لا يمكن  استيعابهما إلا من خلال حركية هذا الإيقاع الحيوي الذي يعلمنا أن "السكون/الامتلاء" هو الذي يعطي للحركة إيجابياتها، وأن "الحركة/البسط" هي التي تستوعب ما امتلأ به الوعي تاريخا وحاضرا.

رابعا: إن الحركة لا تكون إيجابية بدوام التقدم الخطي إلى أمام. إن الحركة الطبيعية في النمو والتطور هي تحقيق لما يسمي برنامج (رحلات) الدخول والخروج (أو الذهاب والعودة) In-and-out program ، إن  تأكيد هذا المفهوم هو جدير أن يسمح لنا بالعمل الإيجابي الاستيعابي  حتى ونحن على ضلع التراجع، كما أنه هو هو الذي يحدد إيجابية الحركة ليس باستمرار اضطرادها، إلى الأمام دائما ولكن بأن يكون ضلع التقدم أطول من ضلع التراجع في كل دورة.

خامسا : إن تقييم إيجابية الحركة من سلبيتها أو ثبوتها لا ينبغي أن يكون تقييما كميّا فحسب، بمعني أن التقدم لا يقاس بقدر ما نحققه كمّيا مما نتصوره إيجابيا (الرفاهية أو السعادة أو الاستهلاك أو القوة..إلخ)، ولكن تكتمل إيجابية الحركة بمدى التغير النوعي الذي يتحقق في كل دورةِ نبضٍ حيوي (دورة نمو).  ليس معني هذا أن يكون التغير النوعي وحده هو المقياس، ذلك لأن التغير النوعي يأتي نتيجة لتراكمات كمية متفاعلة تمهِّد له حتى يظهر.

سادسا : أن نتذكر أن للسكون والتجمد دورا دفاعيا هاما حين يكونا للحفاظ على الحياة.  هذا ما تفعله الحرباء حين تسكن بجوار صخرة لها نفس ألوانها، حتى يحسبها المهاجِم صخرة أخري بلا حراك، فيرجح أنه لا فائدة من مهاجمتها، وهو نفس الجمود الدفاعي الذي  وُصِفَ في الحرب العالمية الأولي حين كان الجنود يتجمدون كالأصنام من هول القذف بما سمّي "صدمة التقوقع" Shell Shock.  وهو  هو ما يفسر التصلب الكاتاتوني  Catatonia الذي قد يلجأ إليه المريض الفصامي أساسا كنوع من  الدفاع ضد التفسخ والتحلل والعدم.

    بعد إفاقته ، وصف لي أحد أصدقائي من المرضي ما كان يغمره من  هول الخوف أثناء نوبة تجمّده بالكاتاتونيا، وكيف أنه كان يشعر بالموت ماثلا كأن "الآخر" غول سوف يلتهمه إذا هو هم بتحريك عُقلة إصبعه، أو حتى إذا هو  زاد في تعميق شهيقه. لم أملك إلا أن أتقمصه حتى عشت كيف يكون الجمود مناورة تأجيل ناجحة  تحفظ الحياة وتمنع التناثر حتى يلملم الكائن الإنسان نفسه ما أمكن ذلك.

     بلغ من تقمصي صديقي الكاتاتوني هذا  أن كتبت ما أختتم به هذا المقال على لسانه من داخل قوقعته،   لعلى بذلك أدافع في النهاية عن حق الإنسان في التجمد مؤقتا حتى يستعيد نفسه. هذا أفضل من أن يلف في مدار غيره  الذي رسمه هذا الغير  بكل غباء التدهور لضياع الكل، وكذلك أفضل من وهم الحركة  ونحن ثابتون في النقطة غير الحصينة،  أو ونحن ننسحب إلى الخلف ذاهلين.

 قلت متقمصا إياه :

> أخافُ همسَ الطيرِ <  أخاف من تمـوّج الأحشاَءِ، منِ نثـْرة الأجنّةْ، منِ دوَْرةِِ الدماءِ، ومن حـَفـِيفِ ثـْوبي الخـَشـِنْ .<  أخافُ من نساِئمِ الصباحْ ،  من خـَيـْطِ فجرٍ كاذبٍ، أو صـَاِدقٍ ، من زَحـْفِ ليلٍ صامتٍ ، أو صاخبِِ ، أخافُ، من تـَنـَاثـُر ِالذَّرَّاتِ في مـَدَارِها، أخافُ مـِِنْ سكونها < أخافُ لاَ حراكْ. موتٌ تمطّي في تجلّط الدماءْ، في مأتـِم الإباءْ،  < الخوفُ أَنْ أموتَ إن حييتْ. الخوفُ أن أعيشَ لا أموت < يا وحدتي الشقيةْ، يا وحدتي الأبيَّة، صـَفـَقْتِ بابـَهمْ خوفاً من المـَودَّةِ اللعوبْ،  من كذبةٍ طليهْ،  من مِلحة ذكيهْ،  من كـُلِّ شيء همّ أن يكونْ،  من كُلِّ شيء لم يكن،  من كل شيءٍ كـَانَ ما انقضـَي، من كُلِّ شـَيء. < تفجّر السكونُ في قوالبِ الجليد ، ولم تدوِّ الفرقعةْ.< تحرّكتْ أشلائـِي المجمَّدهْ، تفتـَّت الجبلْ، فطارتْ  العـَرَائسْ، < تكسّرتْ حواجزُ الأصواتْ، تخلّقتْ ...تطاولتْ، فأُجهِضتْ، وضجّت السكينةْْ <. ومادتِ الرواسي ،  في هُـوّة الضـّياعِ والضَّعَة<.

 

هوامــش

(1)  نجيب محفوظ: ملحمة الحرافيش، مكتبة مصر، سنة 1985 

(2) قراءة نجيب محفوظ. الهيئة العامة للكتاب، سنة 1922

(3) باتريك زوسكيند: «العطر»، ترجمة: نبيل الحفار، دار المدى للثقافة والنشر، س 1977

(4) جوزيف كامبل ـ «سلطان الأسطورة» ـ المجلس الأعلى للثقافة (المشروع القومي للترجمة). (ترجمة: بدر الديب، سنة 2002).

 

Document Code VP.0048

Rakk.Bio-rythm

ترميز المستند  VP.0048

 

Copyright ©2003  WebPsySoft Arab Company www.arabpsynet.com  (All Rights Reserved)